-
منطق "الفلاح السوفيتي".. وقراءة في "كوكتيل" اعتصام دمشق
يُحكى أن مندوباً للحزب السوفيتي وقف يشرح لفلاحٍ بسيط جوهر الشيوعية. سأله بلهجة ثورية: "يا رفيق، لو كان لجارك بيتان، ألا تقتضي العدالة أن تأخذ الدولة أحدهما لتؤوي مشرداً؟". صرخ الفلاح بحماس: "بلى، وعاش الرفيق لينين!". تابع المندوب: "ولو كان لجارك الآخر مزرعتان، أليس من الحق أن تأخذ الدولة واحدة لتوزعها على المعدمين؟". كاد الفلاح أن يرقص ابتهاجاً وهو يهتف: "هذه هي قمة الحق، فليحيا القائد العظيم!".
لكن، حين وصل المندوب إلى المحطة الأخيرة وسأله: "وأنت، يا رفيق، بما أنك تملك بقرتين، أليس للدولة الحق أن تأخذ واحدة لتوزع حليبها على الجائعين؟".. هنا تبدلت الملامح، وانتفض الفلاح غاضباً: "لا.. فلتسقط الشيوعية، وليذهب لينين إلى الجحيم!".
في اعتصام السابع عشر من نيسان، أو ما اصطلح البعض على تسميته بـ "اعتصام قانون وكرامة"، لم يقلقني ذلك الضجيج الصاخب في ساحة يوسف العظمة، ولا تلك الجدلية المحتدمة بين معتصمين استعاروا "لغة الجوع" لتغطية أهدافٍ أبعد بكثير من رغيف الخبز، وبين مناصري "العهد الجديد" الذين يرفعون رايات طلب العدالة الانتقالية، واندفعوا بحماسٍ لافت بدون تنظيم أو دعوة، لدرجةِ أن غيْرتهم الوطنية جعلتهم يتوجسون من أي تجمعٍ أو انتقاد، ظنّاً منهم أن حماية العهد تتطلبُ صوتاً واحداً لا يقبل التأويل. إن ما يستوقف المراقب في هذا المشهد، هو العودة الفجة لمنطق "الفلاح السوفيتي"؛ ذاك الذي لم يجد ضيراً في مصادرة أملاك الآخرين باسم "الحق"، لكنه أعلن العصيان حين اقتربت يد التغيير من حدود حظيرته الخاصة.
عند التوقف ملياً أمام ورقة "الكوكتيل السياسي الخدمي" نجد أنفسنا أمام مشهد يحتاج للكثير من التأمل. فالمفارقة تكمن في الجمع بين مطالب معيشية تمسّ وجع الشارع، وبين مطالب "عقارية وتجارية" تخصصية جداً؛ الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعاً عن الرابط بين قضايا كـ "إخلاء المحال في المنطقة المناخلية" أو "تنظيم استملاك العقارات"، وبين صرخة الفقير الذي لا يبتغي أكثر من كفاف يومه. هنا، تطل "البقرة الشخصية" برأسها من خلف الشعارات؛ وكأننا أمام فئة استشعرت أن "التغيير السياسي الانتقالي" القادم قد لا يتوافق مع أنماط الإدارة والمكاسب التي اعتادت عليها لعقود. إنها تبدو كأنها محاولة لركوب موجة مطالب معيشية وخدمية، ليس غيرةً على الجوع، بل رغبةً في تأمين موطئ قدم في خارطة العهد الجديد الذي يلوح بالأفق. إن مطلب "دولة القانون" هنا، يظهر كحاجة ملحة حين يضمن حماية "المكتسبات الضيقة"، لكنه يُوضع تحت مجهر التشكيك بمجرد أن يتجه نحو الشفافية التي قد تلامس مصالح فئات اعتادت احتكارات ما تسميه مكتسبات وحقوق.
في المقابل، يبرز تساؤلٌ لا يقل أهمية عن "قلق الساحة"؛ وهو المتعلق بجمهور المؤيدين ومناصري العهد الجديد. فهل يمكننا، بإنصاف، تسمية هذا الاندفاع العفوي بـ "إرهاب فكري"؟ أم أنه طاقة وطنية صادقة تخشى على العهد الجديد من ثورة مضادة؟ المسؤولية هنا تقع على عاتق رجال ومسؤولي العهد الجديد في كيفية احتواء وتوظيف هذه الطاقات وتأطيرها بطريقة مهذبة ومنظمة، لتكون "اليد التنفيذية" لخطط الإصلاح. إن الضرورة اليوم تقتضي تأسيس "تيار وطني مؤسساتي" يستلهم رؤية الرئيس أحمد الشرع؛ تلك الرؤية التي قدمها كمشروعٍ متكامل لإدارة سوريا أمام العرب والغرب، واستطاع بموجبها وبحنكةٍ سياسية رفيعة فكّ طوق العقوبات عن كاهل السوريين. إن خير حماية للعهد الجديد وتعبيد الطريق أمامه للنهوض الاقتصادي هي تحويل "جمهور الولاء" إلى "تيار نخبوي وشعبي" قادر على محاورة الآخر، ومنع أصحاب المصالح الضيقة من ركوب موجات المطالب الخدمية، ليكون هذا التيار هو الضمانة الحقيقية لتنفيذ مشروع النهضة السورية الذي بدأ يتبلور.
وختاماً، إذا كان ضجيج ساحة يوسف العظمة في السابع عشر من نيسان قد بدا مقلقاً للبعض، فإن حضور الإعلام الرسمي بجرأته، وقوى الأمن العام بحرفيتها، لم يكن لفض الاعتصام أو شيطنته، بل كان رسالة طمأنينة كبرى بأن العهد الجديد بات يستوي على سوقه قوياً.. قوياً بما يكفي لتستوعب الدولة الجميع تحت سقف القانون، تحميهم وتمنحهم الحق الأصيل في التعبير. إن مشهد الشاشة الوطنية وهي تنقل مطالب الشارع، ورجل الأمن وهو يحرس حق الاختلاف، هما البرهان الساطع على أن مسار الإصلاح الذي يقوده العهد الجديد لا يمضي إلا في طريقه الصحيح نحو سوريا التي تسع الجميع.
ليفانت: د. أسامة أحمد نزار صالح
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

